الجاحظ

204

العثمانية

ولو أن الأنصار كانوا قد سلموا للمهاجرين في البدء فلم يفارقوا ولم يتمادوا ، وكانوا كالمهاجرين في إطباقهم على أن الامام منهم ما كان ليظهر للناس من شهامة أبى بكر وصرامته واجتماع نفسه وقوة منته ، وجلد رأيه ، وقلة حيرته وتضجعه ( 1 ) مثل الذي ظهر لهم . وإنما يعرف العاقل فضل العاقل في مضايق الأمور ، وساعة الجولة ، والعجلة والحيرة ، وظهور الفتنة ، وموجان السفلة ، واضطراب العلية ( 2 ) واختلاط الخاصة بالعامة . فهل أعضل به داء فلم يسد ثغره ( 3 ) ، أم هل نجم بلاء فلم يتول قمعه ؟ ! وزعمت ( العثمانية ) أن أحدا لا ينال الرياسة في الدين بغير الدين . ولو جاز أن يعطى الله رجلا عطية ويفضله على غيره لنسبه ، وعملهما سواء في دار الدنيا ، جاز أن يفضله عليه في الآخرة . وليس ذلك كالمعافى والمبتلى ، لان العافية والبلاء ، والشكر والصبر ، والثواب على الطاعة بهما والعقاب على المعصية فيهما ، إذا وازنت بين عواجل أمورهما وأواجلها من كل وجوهها ، رأيتهما سواء لا فضل بينهما . وكذلك شأن المملوك والمالك ، والفقير والغنى ، والمبتلى والمعافى . فإن كان القريب القرابة والبعيد القرابة سبيلهما في النقص والفضل ، والصبر والشكر ، والثواب والعقاب ، وجميع حلاتهما في العاجل والآجل ، كالمعافى والمبتلى ، والمالك والمملوك . والفقير والغنى ، فليس بين القريب

--> ( 1 ) تضجع في الامر : تقعد ولم يقم به . ( 2 ) في الأصل : " الغلبة " . ( 3 ) في الأصل : " فلم يسبر بعره " .